محمد بن محمد ابو شهبة

613

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

عربي مبين » وقال مرة أخرى : « أنا أفصح العرب ، بيد أني من قريش ، ونشأت في بني سعد » « 1 » . فجمع اللّه له بذلك قوة عارضة البادية وجزالتها ، ورقّة ألفاظ الحاضرة ورونقها ، إلى المدد الإلهي بالوحي المتتابع ، ولا سيما وحي القران الذي لا يحيط بعلمه وأسراره إنسي ولا جني ، فلا عجب إذا قال : « أوتيت جوامع الكلم ، واختصر لي الكلام اختصارا » رواه النسائي في سننه وأبو يعلى ، ورويت الفقرة الأولى من حديث للبخاري ومسلم . وإليك ما قاله في وصف كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أديب من أكبر أدباء العربية غير منازع وهو الجاحظ قال : ( وأنا ذاكر بعد هذا فنا اخر من كلامه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو الكلام الذي قلّ عدد حروفه وكثر عدد معانيه ! وجلّ عن الصنعة ، ونزّه عن التكلف ، وكان كما قال اللّه تبارك وتعالى : قُلْ - يا محمد - وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ « 2 » فكيف وقد عاب التشديق ، وجانب أصحاب التقعيب « 3 » ، واستعمل المبسوط في موضع البسط والمقصور في موضع القصر ، وهجر الغريب الوحشي ، ورغب عن الهجين السوقي ، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة ، ولم يتكلم إلا بكلام قد حفّ بالعصمة ، وشيّد بالتأييد ، ويسر بالتوفيق . وهو الكلام الذي ألقى اللّه عليه المحبة ، وغشّاه بالقبول ، وجمع له بين المهابة والحلاوة ، وبين حسن الإفهام ، وقلة عدد الكلام ، مع استغنائه عن إعادته ، وقلة حاجة السامع إلى معاودته ، لم تسقط له كلمة ، ولا زلّت به قدم ،

--> ( 1 ) ذكره القاضي عياض في الشفاء ، وأصحاب الغريب في كتبهم ، وروى نحوه الطبراني مرفوعا ، وابن سعد مرسلا ، وأما : ( أنا أفصح من نطق بالضاد ) فلا أصل له . ( 2 ) سورة ص : 86 ، والآية بتمامها : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ، وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ . ( 3 ) التقعيب : هو التقعير ، وهو أن يتكلم بأقصى قعر فمه ، وهو لون من التكلف في الكلام .